الشنقيطي

31

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

معلوم أن كلمة : كلا : ردع عمّا سبق ، وهو في جملته منصب على التصدي لمن استغنى ؟ والإلحاح عليهم والحرص على سماعهم منه ، ولكن اللّه تعالى يقول : إن منزلة القرآن والوحي والدين أعلى منزلة من أن تبذل لقوم هذه حالتهم فهي على ما هي عليه من تكريم ورفعة وطهرة وصيانة ، وما عليها من حفظة سفرة كرام بررة أحرى بأن يسعى إليها ، والخير لمن أتاها يطلبها . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ، وهذا للتهديد لا للتخيير بدليل ما بعده قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] ، قتل الإنسان : دعاء عليه ، والإنسان : للجنس الكافر ، وما أكفره : أي ما أشد كفره بها ، بعد هذا كله من علو منزلتها . وقوله تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ قيل : ما أكفره هنا ، ما أفعله أي ما أشد كفره . وقال الزمخشري : هي تعجب من إفراطه في كفران نعم اللّه . وقيل : أي شيء حمله على التكذيب والكفر ؟ وكلها محتملة . ولعلّ المعنى الأول أظهر لقوله قبله : قتل الإنسان ، ولمجيء هذا المعنى في مواضع أخر : إن الإنسان لظلوم كفار ، وكذلك فعول في قوله : وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ [ الحج : 66 ] ، وهكذا صفة الجاحدين لآيات اللّه ، كما في قوله : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [ لقمان : 32 ] . ثم رد تعالى عليه ذلك برده إياه إلى أصل خلقته ، ليتعظ من نفسه في قوله تعالى : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [ عبس : 18 - 21 ] ، لأن هذه الثلاثة مسلم بها ، ورتب عليها الرابعة ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] . وقوله : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ تقدم مرارا بيان أصل خلق الإنسان وأطواره . وقوله : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قيل : السبيل إلى خروجه من بطن أمه ، حيث أدار رأسه إلى جهة الخروج ، بدلا مما كان عليه إلى أعلى ، وهذا من التيسير في سبيل خروجه ، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره ، وهو اختيار ابن جرير .